من سيحكم تركيا بعد حزب العدالة والتنمية؟
الكاتب:
صحيفة تركيا اليوم
وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو” (الأنعام: 59). قد لا أحسن التخمين في مصير الانتخابات المقبلة. لكنني سأحاول جهدي بما أُوتيتُ من علم لكي أتوقع نتائج انتخابات مارس المحلية، وانتخابات يوليو الرئاسية، والانتخابات التشريعية لعام 2015.
أعتقد أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان سبق وقرَّر عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية، وبدلا عن ذلك فإنه سيرشح ” أخوه” الرئيس عبد الله غول، ولو لم يكن يُكِن له مشاعر طيبة. قد يحدث هذا لسببين. الأول، لأنه اعترف بذلك بشكل غير مباشر في مؤتمر صحفي مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل في برلين، على أساس أنه يريد أن يرى حزبه قائداً على الدوام. وهذا يعني أنه يجهز نفسه وحزبه للحصول على 35 في المئة، وليس 45 ــ 50 في المائة من الأصوات. كما أنه سبق وقال إنه إذا حصل الحزب على نفس ماحصل عليه في الانتخابات المحلية لعام 2009 (38.8 في المائة)، فإن ذلك سيعني نجاحا كبيرا، متجاهلا حقيقة أن في حينها كان هناك أزمة اقتصادية أثرت على أصوات الناخبين حتى أنه وبعد عامين حصل على 50 في المئة في الانتخابات العامة. فإن كان أردوغان يعتقد أنه سيحصل فقط على الحد الأقصى من 40 في المئة، فقد يظن أنه لن يكون بإمكانه الحصول على50 في المئة في الانتخابات الرئاسية. إنني أحاول أن أبين من خلال الكتابة حول هذا الموضوع منذ عامين أن أكثر من 50 في المئة من الناخبين لا يحبون أردوغان. أما السبب الثاني، فلأنه لا يثق بأحد لإصلاح النظام الدستوري للتغطية على فساده. فلا أحد يستطيع أن يكون عنيدا وقويا مثله، إذا ما غادر منصب رئيس الوزراء.
لهذين السببين، فإنه سيقرر البقاء رئيسا للوزراء. في هذه الحالة، يبقى منافسه الأقوى والذي قد يفوز برئاسة الوزراء هو “أخوه” غول. وهذا ما يفسر أيضا اختيار غول دعم تشريعات أردوغان اللادستورية. وقد كتبت الأسبوع الماضي، أنه عندما يتعلق الأمر بممارسة الصلاحيات فلا فرق كبيرا بين الرئيس غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. وعندما حاورتني صحيفة وول ستريت جورنال عبر الهاتف قبل حوالي 10 أيام، قلت إنني أتوقع إما أنه سيصادق على مشروعي قانون الإنترنت والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، أو أنه سيرجعهم من أجل تغييرات طفيفة جدا بعد مشاورة مع أردوغان، حتى يتسنى لهذا الأخير الحصول على ما يريد، بينما لا تتغير صورة غول المصلح، والمؤيد للديمقراطية، والموالي للغرب.
لكن الرئيس غول للأسف لم يرجع مشروعي القانون للمراجعة، وصرح في المقابل أنه لا يريد أن يلعب دور المحكمة الدستورية. لقد زعمت الأسبوع الماضي أن الرئيس غول يعيش مأزقا وجوديا ويعتقد أنه بين نارَيْن. فهو لا يريد أن يُنظر إليه كخائن. وكما توقعت، فقد اختار نسبة 30 في المئة التي يراهن عليها أردوغان، وليس المعايير العالمية الصديقة للحقوق الإنسان والديمقراطية. وهذا يعطينا فكرة حول الطريقة التي سيتعامل بها مع مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين. إنه لم يعترض على مشروع القانون هذا حتى الآن، وهذه مراهنة خطيرة. فإذا رُشح للرئاسة، فسوف يضمن نسبة 30 في المئة التي يعد بها أردوغان، لكنه لن يحصل على 50 في المئة زائدة إذا قررت المعارضة ترشيح مرشح من اليمين الوسط.
أما بالنسبة لانتخابات 2015 العامة، فسوف يحاول أردوغان ترشيح نفسه لرئاسة الوزارء مجددا. لكن قبل ذلك الوقت فالمتوقع أن حزبه لن يكون باستطاعته الحصول على 30 في المئة من الاصوات. وهذا يعني أنه سيضطر لتشكيل ائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري أو حزب الحركة القومية. وقد يقرر هذان الحزبان تشكيل ائتلاف بينهما كذلك. وقد يضطر هنا للتسرع أو تدفعه المعارضة لانتخابات عامة مبكرة. في هذه الحالة قد يربح حوالي 35 ــ 40 في المئة، بناء على ورود أدلة جديدة على تورطه المزعوم في الفساد. على أنني أستبعد فكرة تشكيل غول لحزب جديد إذا ما انشق حزبه بعد الاستقالات المتتالية لبرلمانييه. فلا غول لديه الشجاعة، ولا أردوغان لديه الكاريزما لتحقيق ذلك. وإلى أن يُجبروا على مغادرة الحزب الذي يقوده حاليا أردوغان فسوف يستمرون في الغرق داخل هذه السفينة.
باختصار، ما نراه هو أن حزب العدالة والتنمية يتراجع عن اليمين الوسط، وسيتم ملء هذا الفراغ، الذي يشكل على الأقل 20 في المئة، من قِبل حزب جديد في غضون عامين. حركة “الخدمة” طبعا لن تشكل أبدا حزبا سياسيا، ولكن بناء على المبادئ الديمقراطية التي يتشاركها أفرادها، فقد يقرر بعضهم التصويت لصالح هذا الحزب اليمين وسطي الجديد. والله أعلم.
